أفكارنا الحلوة، قاومي!
إذا خفّفت الآلة زحام الحياة، فاجعل الوقت الذي ربحته من نصيب الإنسان في داخلك.
أهلا وسهلا ومرحبا صديق كيف حالك؟ والحياة؟
هل تُصدق أن ما بين اليوم و 25 مايو الماضي أكثر من ما يقارب سنة كاملة ✨!
أطمئنك أولًا، منذ عيونك هي ريموت اللعبة ما زلت أكتب، وكثيرًا، أكثر مما كنت أتوقع حتى.
والحقيقة أنني أكتب هذا المقال الآن دون أن أعرف مصيره بالنشر، وربما هذا ما يسحرني بالكتابة؛ حين تكتب ولا تحاول أن تُقنع أحدًا، ولا حتى نفسك. فقط تكتب وكأن لا أحد ينتظر شيئًا.
منذ مايو الماضي وحتى اليوم، عشت الكثير من القصص وركضت… يا الله ركضت كثيرًا "مشاريع، انتقالات، أحلام، أناس يدخلون ويخرجون، دورس، هزائم وانتصارات لا يراها أحد، وأخرى كبيرة لم يراها إلا أنا"!
لذلك، قبل أي شيء آخر
أتمنى أنك مُحاط بما يليق بك من سِعة، لا تَظلِم ولا تُظلَم وسط كل هذا الركض الذي تدفعنا له الحياة.
عندي الكثير من القصص، ولا أعرف أيها تُحكى أولًا. لكنني أعرف أن ما سأكتبه اليوم ليس قصة بل "هاجوس" يؤرقني منذ فترة. لذلك سأكتب بدون تجميل أو فواصل، وتلميحات فأنا تقبلت أخيرًا أن هناك بعض الأشياء التي لا تعرف كيف تبقى ساكنة في داخلي؛
تظل ترن وتحوم حتى أكتبها و أضع عيني بعينها لتصبح أخف، بطبيعتها "سادة، خام، وفضولية"
هل دخلت عالم الذكاء الاصطناعي؟
أنا فعلت. وشعوري تجاهه، غريب.
لا أغضب من هذا العرّيف، ولا أحتفي به لكن نستطيع قول أن بيننا خصومة فكرية.
أتعلم منه كل يوم، يضحكني ويفاجئني، كيف استطاع أن يسهّل حياة الناس؛ البسيطة والمعقدة
أراه يساعد أمي، أو ينظم فوضى صديقتي القلقة، ويرتب أفكار كل شخص أعرفه يعاني من التشتت. أو مثلا يزيل كل المهام التشغيلية المملة في أكبر وأصغر الجهات، ويزيد النمو والمبيعات!
هو يفعل الكثير الأشياء التي تُرضي الجزء الباحث عن الكمال في داخلي.
أستطيع قياس آداء كل شي، بلا جهود. كلمتين وفكرة كافية لذلك!
يرد على المرضى فلا تضيع عليهم المعلومة، ينفذ العمليات بدقة، ويتابع الشكاوى حتى لا تبقى حبيسة الأدراج، يرفع التذاكر، وينهي معاملات ظلت مجهوله لسنوات!
حتى أني اليوم حضرت لقاءً كان الحديث فيه عن كيف تضاعفت إنتاجية المهندسين، فأصبحوا ينجزون في أيام ما كان يحتاج أسابيع، ساعات من العمل أصبحت تنتهي في دقائق! مما كون ضغط على الأدوار التي تحتاج فكر أعمق.
وأعترف… أنا مبهورة، ومستنكرة ويضحكني كيف أجابه و أتعامل مع هذا!
وسط كل هذا الإعجاب، أنظر إليه نظرةً سارقة، ممتعضة.
أنا أعانده بكل ما تعنيه هذه الكلمة من سخرية، لأن هاجسي ليس ما يستطيع أن يفعله، بل ما قد يأخذه مني دون أن أشعر.
كيف أحافظ على فكرتي العميقة في زحام كل هذه الخوارزميات؟ ورأيي الحقيقي الخام؟ في زمن أصبحت أرى الناس تشاور فيه هذا الآلي الغبي قبل أن تشاور نفسها؟
محتوى متشابه يجعل العقول تتقاطع مع نفس الافكار.
تخيل أنه قلل الاحتياج في مكان لينهي عمل +30 موظف أمام عيني!
يا ابني! الطلاب فقدو شعور التعلم من الرفض عند جمع الاستبيانات من الشركات والناس؟
أخ لو ترى وجهي، وتستشعر غصتي عندما سمعت مكالمة يستقبل فيها عديم المشاعر هذا خبر وفاة شخص من ذويه، ثم يرشدهم إلى الخطوات التالية لتسليم الجثمان بطريقة "مثالية"؟
نحن نعطيه هذه الصلاحيات ليس لأنه سيئ أو جيد، بل لأنه سريع، وسرعته تُغرينا.
أول إجابة، وأول فكرة، وأول صياغة. غفلنا أن هناك أصل لكل هذا، ولن ننجح بالتقاطع معه الا بقراءة الفكرة ألف مرة، أنا أقاوم أن نفقد قدرتنا على الجلوس مع السؤال وقراءة الهوامش والمعلومة المفاجئة أثناء البحث.
أن تصبح علاقتنا بالأفكار سطحية، يعني أن نمر عليها دون أن نسكنها!
المشكلة في اللحظة التي نسينا فيها أنه أداة. وبدأنا بالتعامل معه كأنه عقلٌ بديل.
لا أؤمن أن الأفكار، والفهم الحقيقي للبشر والأشياء تولد من السرعة، بل من الحياة، من الكتب التي غيّرتنا. ومن الطرق الطويلة و الأخطاء، والقَبُول، والشهامة والأفكار الخارجة عن الحسابات والمنطق.
نغزة قلبك لشيء كل الارقام والحسابات تقول عنه ايه وأنت تقول لأه! عشان قلبي قال، وتجربتي ترى وصوت في داخلي اسمعه! عشان هذا منطقي لطبيعتي البشرية اللامنطقية.
أخ من لذة كل مرة شعرت فيها أنك جاهل، أو أحمق، فتبحث وتعيش، تمدد هذه التجارب البسيطة سعتك في فهم الاشياء ومرونة جلدك في خوض اللامألوف.
وكيف أن بناء الأصيل يبدأ من سؤال حملته سنوات قبل أن تجد له جوابًا، هذه الأشياء لا يستطيع أي نموذج أن يصنعها. هو يعرف ما كتبه البشر، وكل ما يخرجه هو متوسط ما عرفه العالم. أما المعنى… فلا يزال يولد داخل الإنسان وفيه.
وأظن أن هذا هو سبب تشابه كثير من المخرجات اليوم. ليست لأنها رديئة. بل لأنها متوسط ما قاله وفهمه الجميع.
أما الأفكار التي تغيّر العالم وتلمس جزءًا منك لا تبدأ إلا من من شخص رأى شيئًا بطريقة مختلفة حقيقية عميقة.
والمغضب، أن الكثير من آل هذا الجيل لا يعرفون المعنى الحقيقي لما وراء الاشياء، هذه المخرجات تعتبر كافية
لذلك أحاول أن أتعامل معه بحذر، وعين مائلة لا تريه قدره كثيرا، أتغافله وأقوّمه: أبدأ أنا أولًا. أكتب فكرتي، حتى لو كانت ناقصة، وأسأل أسئلتي وأجاوب أجوبتي، وأكوّن رأيي.
ثم أشاركه بحذر مضحك وأسمح له أن يوسّع زاوية الرؤية، أو يختصر وقت التنفيذ فقط. مع اشتراطات واضحة أقول فيها "لا تحاول أن تقنعني. أو تعمل عني اعرض لي كل الاحتمالات، ودعني أختار". واعترف ان هذا يجعلني أقضي أيام لفهم فكرة، أو تقييم مبدأ! لكني أخرج باقتناع وفهم كامل.
أحب أصل الأشياء، ما نستطيع لمسه والشعور به. أحب أن أفهم الافكار والبشر، وأن أعرف لماذا تلمس بعض الكلمات روحك، بينما تمر كلمات أخرى دون أثر يذكر.
وأتعجب دائمًا من أن أكثر الأشياء تعقيدًا، تعود في أصلها إلى بساطة هذا الإنسان. كل شيء يستحق أن يُنظر إليه ببطء. لأن الأشياء، إذا منحتها وقتًا كافيًا، تكشف نفسها.
حتى في الأعمال، نحن لا نبيع ملايين لأننا أتقنّا الكلام، بل لأننا فهمنا احتياج الطرف الآخر و استعرضناه بشكله البسيط. ولا أظن أن الشركات ستكسب لأنها استخدمت التقنية أكثر، بل لأنها عرفت أين تستخدمها، وأين يجب أن يبقى الإنسان حاضرًا.
فنحن لا نستطيع تمثيل الحقيقة؛ هي تُرى… وتُشعر.
ولهذا أتساءل: متى بدأنا نعامل بطأنا كأنه خلل؟ ومتى أصبحت بشريتنا شيئًا يحتاج إلى إصلاح حتى تواكب العالم؟ يالله كيف نستفيد من أداة تقلّل الجهد، دون أن تقلّل العمق؟
وربما لهذا السبب... يشغلني أثر السرعة أكثر من التقنية نفسها.
التقنية تخبرك ماذا تقول، أما فهم الإنسان فيخبرك متى تقول، ولماذا، ولمن، وكيف.
هذه السرعة تجعلنا نكتب قبل أن نشعر، ونجيب قبل أن نفهم، وننشغل بالإنتاج على حساب التأمل.
لا زلت اتعلم لكني قررت أن أترك للتقنية ما يستهلك وقتنا ولا يحتاج إنسانيتنا؛ التكرار، والتنفيذ، وكل ما يأخذ منا دون أن نفكر، أو نشعر أو نستمتع.
وأن أحتفظ أنا بما لا ينبغي أن يخرج من الإنسان أصلًا؛ السؤال، والحكم، والحدس، والبناء، والذوق، والرحمة، وفهم البشر.
اذا خففت الآلة زحام الحياة، فالوقت الباقي من نصيب الإنسان في داخلك؛ إقرأ أكثر. اسأل أكثر. قابل الناس أكثر. اختلف. غيّر رأيك أرجوك، وعش.
لأن القيمة لن تكون في أن تُنتج أكثر، بل في أن يكون لديك ما يستحق أن يُنتج أصلًا.
وربما... هذه هي الهدنة التي أحاول عقدها هو يختصر الطريق، وأنا أقرر أين أمشي.
حتى هواجيس أخرى، نلقاكم على خير.

غاية النشرة أن «تتمكّن، فتمكن ما حولك» أن أنير شيئًا بسيطًا من القصة «بينك وبينك». لن تجد بين كلماتي قوالب جامدة; هنا كل شيء حي، ويستحق التأمل.